محمد بن جرير الطبري

74

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فيحلفان بالله : ما كان صاحبنا ليوصي بهذا ، أو : إنهما لكاذبان ، ولشهادتنا أحق من شهادتهما . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما ، يحلفان بالله : لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله ، إنا إذن لمن الآثمين إن صاحبكم لبهذا أوصى ، وإن هذه لتركته فإذا شهدا ، وأجاز الإمام شهادتهما على ما شهدا ، قال لأولياء الرجل : اذهبوا فاضربوا في الأرض واسألوا عنهما ، فإن أنتم وجدتم عليهما خيانة أو أحدا يطعن عليهما رددنا شهادتهما فينطلق الأولياء فيسألون ، فإن وجدوا أحدا يطعن عليهما أو هما غير مرضيين عندهم ، أو اطلع على أنهما خانا شيئا من المال وجدوه عندهما ، فأقبل الأولياء فشهدوا عند الإمام وحلفوا بالله : لشهادتنا إنهما لخائنان متهمان في دينهما مطعون عليهما أحق من شهادتهما بما شهدا ، وما اعتدينا الشهادة على الوصية . فذلك قوله : فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ وقال آخرون : بل إنما ألزم الشاهدان اليمين ، لأنهما ادعيا أنه أوصى لهما ببعض المال الشهادة على الوصية . وإنما ينقل إلى الآخرين من أجل ذلك إذا ارتابوا بدعواهما ذكر من قال ذلك : حدثنا عمران بن موسى القزاز ، قال : ثنا عبد الوارث بن سعد ، قال : ثنا إسحاق بن سويد ، عن يحيى بن يعمر في قوله : تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ الشهادة على الوصية قال : زعما أنه أوصى لهما بكذا وكذا ، فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً أي بدعواهما لأنفسهما ، فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ أن صاحبنا لم يوص إليكما بشيء مما تقولان . والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن الشاهدين ألزما اليمين في ذلك باتهام ورثة الميت إياهما فيما دفع إليهما الميت من ماله ، ودعواهم قبلها خيانة مال معلوم المبلغ ، ونقلت بعد إلى الورثة عند ظهور الريبة التي كانت من الورثة فيهما ، وصحة التهمة عليهما بشهادة شاهد عليهما أو على أحدهما ، فيحلف الوارث حينئذ مع شهادة الشاهد عليهما أو على أحدهما إنما صحح دعواه إذا حقق حقه ، أو الإقرار يكون من الشهود ببعض ما ادعى عليهما الوارث أو بجميعه ، ثم دعواهما في الذي أقرا به من مال الميت ما لا يقبل فيه دعواهما إلا ببينة ، ثم لا يكون لهما على دعواهما تلك بينة ، فينقل حينئذ اليمين إلى أولياء الميت . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة ، لأنا لا نعلم من أحكام الإسلام حكما يجب فيه اليمين على الشهود ارتيب بشهادتهما أو لم يرتب بها الشهادة على الوصية ، فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيرا لذلك . ولم نجد ذلك كذلك صح بخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بإجماع من الأمة ، لأن استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى ، فيكون أصلا مسلما . والمقول إذا خرج من أن يكون أصلا أو نظيرا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة ، كان واضحا فساده . وإذا فسد هذا القول بما ذكرنا ، فالقول بأن الشاهدين استحلفا من أجل أنهما ادعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله أفسد من أجل أن أهل العلم لا خلاف بينهم في أن من حكم الله تعالى أن مدعيا لو ادعى في مال ميت وصية أن القول قول ورثة المدعي في ماله الوصية مع أيمانهم ، دون قول مدعي ذلك مع يمينه ، وذلك إذا لم يكن للمدعي بينة . وقد جعل الله تعالى اليمين في هذه الآية على الشهود إذا ارتيب بهما ، وإنما نقل الأيمان عنهم إلى أولياء الميت ، إذا عثر على أن الشهود استحقوا إثما في أيمانهم ؛ فمعلوم بذلك فساد قول من قال : ألزم اليمين الشهود لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت في ماله ، على أن ما قلنا في ذلك عن أهل التأويل هو التأويل الذي وردت به الأخبار عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به حين نزلت هذه الآية بين الذين نزلت فيهم وبسببهم ذكر من قال ذلك : حدثني ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن يحيى بن أبي زائدة ، عن محمد بن أبي القاسم ، عن